مجد الدين ابن الأثير
124
المختار من مناقب الأخيار
وقال علي رضي اللّه عنه في خطبة خطبها : الحمد للّه أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكّل عليه ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، وأنّ محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليزيح به علّتكم « 1 » ، ويوقظ به غفلتكم ، واعلموا أنكم ميّتون ومبعوثون من بعد الموت ، وموقوفون على أعمالكم ، ومجزيّون بها ، فلا تغرّنكم الحياة الدنيا ، فإنها دار بالبلاء محفوفة ، وبالفناء معروفة ، وبالغدر موصوفة ، وكلّ ما فيها إلى زوال ، وهي بين أهلها دول « 2 » وسجال ، بينا أهلها منها في رخاء وسرور إذا هم منها في بلاء وغرور ، وأهلها فيها أغراض مستهدفة ، ترميهم بسهامها ، وتقصمهم بحمامها . واعلموا عباد اللّه أنكم وما أنتم فيه من زهرة الدنيا على سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم أعمارا ، وأشدّ منكم بطشا ، فأصبحت أجسادهم بالية ، وديارهم خالية ، وآثارهم عافية ، فاستبدلوا بالقصور المشيّدة ، والنمارق الممهّدة الصخور والأحجار في القبور ، فمحلّها مقترب ، وساكنها مغترب ؛ لا يستأنسون بالعمران ، ولا يتواصلون تواصل الجيران والإخوان ، على ما بينهم من قرب الجوار ، ودنوّ الدار ، فأصبحوا بعد الحياة أمواتا ، وبعد غضارة العيش رفاتا ، فجع بهم الأحباب ، وسكنوا التراب ، وظعنوا فليس لهم إياب ، هيهات هيهات كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [ المؤمنون : 100 ] ؛ وكأن قد صرتم « 3 » إلى ما صاروا إليه ، وارتهنتم في ذلك المضجع ، وضمّكم ذلك المستودع ، فكيف بكم لو قد [ تناهت الأمور ] ، وبعثرت القبور ، وحصّل ما في الصدور ؛ هنالك تجزى كلّ نفس بما كسبت ، وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ
--> ( 1 ) في ( أ ) : « ليظهره به عليكم » ، والمثبت من ( ل ) . ( 2 ) في ( ل ) : « دوال » . ( 3 ) في ( ل ) : « صيّرتم » .